النخر اللاوعائي (Avascular Necrosis - AVN)، والمعروف سريرياً بالنخر العظمي أو النخر العقيم (Aseptic Necrosis)، هو حالة مرضية نسيجية تتسم بموت الخلايا العظمية وعناصر نخاع العظم نتيجة لانقطاع أو ضعف التروية الدموية الشريانية الموجهة إلى العظم دون وجود عامل إنتاني (عدوى). يؤدي هذا الفقدان للتروية إلى تدهور السلامة الهيكلية للنسيج العظمي المصاب، مما ينتهي غالباً بانهيار هيكلي في المنطقة الواقعة تحت الغضروف (Subchondral Collapse)، ويتطور لاحقاً إلى داء المفصل التنكسي الثانوي (Secondary Osteoarthritis).

تُعد منطقة رأس عظم الفخذ في مفصل الورك الموقع الأكثر عرضة للإصابة بالنخر اللاوعائي. وتعود هذه الحساسية النسيجية إلى الخصائص التشريحية الفريدة للدورة الدموية المغذية لرأس الفخذ. ويشكل هذا المرض تحدياً سريرياً جراحياً بالغة الأهمية، إذ يستهدف فئات عمرية شابّة، ويُعزى إليه نسبة كبيرة من جراحات استبدال مفصل الورك الكلي (Total Hip Arthroplasty). ووفقاً لما ورد في مرجع أ.د. محمد هطيف لجراحة العظام والمفاصل، فإن التشخيص المبكر والتدخل العلاجي الموجه يمثلان الحجر الأساس لمنع الانهيار المفصلي والحفاظ على المفصل الطبيعي للمريض.


التشريح الحيوي والإمداد الدموي لرأس الفخذ

الشبكة الوعائية ونقص التروية

يعتمد رأس عظم الفخذ على إمداد شرياني طرفي دقيق، ما يجعله عرضة لاحتشاء الأنسجة عند حدوث أي اضطراب وعائي. ينشأ التغذية الدموية الأساسية من الشريان الفخذي المنعطف الإنسي (Medial Femoral Circumflex Artery)، وبدرجة أقل من الشريان الفخذي المنعطف الوحشي (Lateral Femoral Circumflex Artery)، وهما فرعان من الشريان الفخذي العميق.

تنبثق من هذه الشرايين أوعية عنقية صاعدة تخترق محفظة المفصل وتمتد على طول عنق الفخذ كأوعية شبكية (Retinacular Vessels) مقسمة إلى أفرع علوية، سفلية، أمامية، وخلفية. وتعتبر الأوعية الشبكية العلوية المنبثقة من الشريان الفخذي المنعطف الإنسي المصدر الرئيسي لتغذية الجزء العلوي الوحشي من رأس الفخذ، وهو النطاق الرئيسي المباشر لتحمل الوزن.

يؤدي أي انسداد أو تمزق في هذه الأوعية—سواء جراء صدمة مفصلية أو ارتفاع الضغط داخل نخاع العظم—إلى موت الخلايا العظمية المعتمدة عليها مباشرة. كما يشارك الشريان الموجود في الرباط المدور (فرع الشريان السدادي) بإمداد متغيّر وغير كافٍ لدى البالغين.

الميكانيكا الحيوية والانهيار تحت الغضروف

صُممت البنية التربيقية لرأس الفخذ لتقسيم الإجهاد الناجم عن قوى الضغط والقص أثناء المشي وتحمل الوزن. تعمل الصفيحة العظمية تحت الغضروف (Subchondral Bone Plate) كواجهة ناقلة للأحمال من الغضروف المفصلي إلى العظم التربيقي العميق.

عند حدوث النخر اللاوعائي، يؤدي موت الخلايا العظمية (Osteocytes) إلى توقف عمليات الترميم العظمي الطبيعية، مما ينتج عنه كسور دقيقة متراكمة. ومع استمرار التحميل الميكانيكي، تتدهور السلامة الهيكلية للطبقة تحت الغضروف، وتظهر راديوغرافياً ما يُعرف بـ "علامة الهلال" (Crescent Sign)، وهي كسر تحت غضروفي يشير إلى بدء الانهيار المفصلي.

تؤثر مساحة الآفة النخرية وموقعها بشكل مباشر على الإنذار الطبي؛ فالآفات التي تتجاوز 30-50% من حجم رأس الفخذ أو تلك المستقرة في مناطق تحمل الوزن تكون أكثر عرضة للتدهور السريع.


الأسباب والآليات الفسيولوجية المرضية

ينشأ النخر اللاوعائي عن تداخل معقد بين عوامل وعائية، خلوية، وميكانيكية. ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى:

الآليات المباشرة والخلل الخلوي

  1. الاعتداء الوعائي الإقفاري (Ischemia): ينجم عن انقطاع مباشر للإمداد الدموي، إما بسبب إصابات رضية (مثل كسور عنق الفخذ، خلع مفصل الورك، أو انزلاق المشاش الفخذي الرأسي)، أو أسباب غير رضية تشمل الانسداد الدهني والتخثر المجهري.
  2. موت الخلايا العظمية: ترافقه فقدان القدرة على الاستجابة للإجهاد الميكانيكي وصيانة المصفوفة العظمية.
  3. ارتفاع الضغط داخل النخاع العظمي: تؤدي زيادة حجم الخلايا الدهنية في النخاع إلى زيادة الضغط الشديد، مما يضغط الشرايين الشعيرية الدقيقة ويؤدي إلى نقص تروية ثانوية (كما في حالات علاج الكورتيكوستيرويد).
  4. حالات فرط التخثر (Coagulopathies): ترتبط بعض الحالات بنقص مضادات الثرومبين، أو نقص البروتين C والبروتين S، وارتفاع مستويات البروتين الدهني (أ)، ما يسبب تخثرات مجهرية داخل الشرايين الطرفية الصغرى.

الحالات الجهازية والعوامل المؤهبة

استناداً إلى ما ورد في الدليل المعتمد في عيادات هطيف للعظام، تتنوع المسببات الجهازية المؤدية لإصابة الورك بالنخر اللاوعائي وتتضمن:

  • الكورتيكوستيرويدات (الستيرويدات): العامل الأكثر شيوعاً غير الرضي، حيث يؤدي الاستخدام المزمن بجرعات عالية إلى تضخم الخلايا الدهنية النخاعية وزيادة ضغط النخاع.
  • تناول الكحول المفرط: يرتبط بالتسبب في انسدادات دهنية وتراكم شحميات الدم.
  • اضطرابات الدم المنجلية ومرض غوشيه: تسبب نوبات انسداد الأوعية انسداداً مباشراً أو ضغطاً داخل نخاع العظم بسبب تراكم الخلايا المحملة بالغلوكوسيريبروسيد.
  • داء الغواصين (Dysbarism): ينتج عن تشكل فقاعات النيتروجين داخل الأوعية نتيجة الانخفاض السريع للضغط الجوي.
  • العلاج الإشعاعي والذئبة الحمامية الجهازية (SLE): يسببان تلف الخلايا البطانية للأوعية والتهاب الأوعية الدموية.

الخيارات العلاجية والتخطيط الجراحي

يتوقف اختيار التدخل الطبي على مرحلة المرض، وحجم الآفة النخرية، ومدى سلامة السطح المفصلي تحت الغضروف:

  • الإجراءات الحافظة للمفصل (Joint-Preserving Procedures): تُطبق في المراحل المبكرة قبل حدوث الانهيار المفصلي، وتشمل جراحة تخفيف الضغط الأساسي (Core Decompression)، والتطعيم العظمي (Bone Grafting)، أو قطع العظم (Osteotomy) لإعادة توجيه الأحمال الميكانيكية بعيداً عن المنطقة النخرية.
  • جراحة استبدال المفصل (Joint Replacement): تُعد الحل الجراحي النهائي عند حدوث انهيار رأس الفخذ وتطور التهاب المفاصل التنكسي الثانوي، وتتضمن استبدال مفصل الورك الكلي (Total Hip Arthroplasty) لاستعادة الوظيفة المفصلية والتخلص من الألم.