مقدمة
يعد مصطلح التهاب المفاصل من المصطلحات الطبية الواسعة التي تُستخدم للإشارة إلى مجموعة كبيرة من الحالات التي تسبب آلام المفاصل وتؤدي في النهاية إلى تدميرها وتآكلها. وعلى الرغم من أن هذه الحالات تشترك في السمة الأساسية المتمثلة في الألم وتلف المفصل، إلا أنها تختلف بشكل جذري من حيث التغيرات النسيجية المرضية والآليات البيولوجية الكامنة وراءها.
إن فهم طبيعة هذا المرض ينقسم بشكل أساسي إلى فئتين رئيسيتين هما التهاب المفاصل التنكسي والذي يُعرف شيوعا بالخشونة أو الفصال العظمي والتهاب المفاصل الالتهابي الذي يشمل أمراضا مناعية وجهازية مثل الروماتويد. وبسبب هذه الاختلافات الجوهرية في طبيعة المرض تختلف العلاجات الدوائية بشكل كبير جدا من حالة إلى أخرى. في المقابل نجد أن العلاج الجراحي يتسم بتوحيد نسبي حيث يعتمد بشكل أساسي على مدى استقرار المفصل وحجم التلف الحاصل فيه وشدة الأعراض التي يعاني منها المريض. استناداً إلى المراجع السريرية المتخصصة، يمكنكم الاطلاع على المزيد من التفاصيل عبر مرجع أ.د. محمد هطيف لجراحة العظام.
هذا الدليل الشامل مصمم خصيصا ليضع بين يديك كل ما تحتاج لمعرفته حول أمراض المفاصل المختلفة بدءا من الآليات الدقيقة لحدوثها وصولا إلى أحدث المعايير التشخيصية والخيارات العلاجية المتاحة مما يساعدك على اتخاذ قرارات صحية سليمة بالتعاون مع طبيبك المعالج.
التشريح
لفهم كيف يحدث التهاب المفاصل يجب أولا التعرف على البنية التشريحية للمفصل الطبيعي والآليات البيولوجية التي تحافظ على سلامته أو تؤدي إلى تدميره. يتكون المفصل السليم من التقاء عظمتين أو أكثر وتغطى نهايات هذه العظام بنسيج أملس ومرن يُعرف بالغضروف الزجاجي. يحيط بالمفصل محفظة مبطنة بغشاء يُسمى الغشاء الزليلي والذي يفرز سائلا لزجا يعمل على تشحيم المفصل وتغذيته.
في حالات التهاب المفاصل التنكسي يحدث خلل في التوازن الدقيق بين عمليات الهدم وعمليات البناء والإصلاح داخل الغضروف الزجاجي. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد لفترة طويلة بأن خشونة المفاصل هي مجرد نتيجة حتمية للتقدم في العمر والشيخوخة الطبيعية إلا أن الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت أن المفصل الطبيعي الذي يتعرض لضغوط معتدلة لا ينبغي أن يتآكل على مدار عمر الإنسان. بل يجب أن يتعرض المفصل لإجهاد إضافي أو عوامل أخرى ليبدأ مسار التآكل.
لقد تمكن العلماء من تحديد الإنزيمات الأساسية المسؤولة عن تحلل المفصل وتدميره. تفرز كل من الخلايا الزليلية والخلايا الغضروفية إنزيمات تُعرف باسم بروتياز المصفوفة المعدنية. وفي الوقت نفسه هناك بروتين سيتوكيني محفز للالتهاب يُسمى إنترلوكين واحد يقوم بتحفيز إنتاج هذه الإنزيمات المدمرة. في حالة الفصال العظمي تتغلب هذه الإنزيمات المدمرة على المثبطات التنظيمية الطبيعية في الجسم مما يؤدي في النهاية إلى تآكل الغضروف وتدهور حالة المفصل.
أما في حالات التهاب المفاصل الالتهابي مثل الروماتويد فإن المشكلة تبدأ من الجهاز المناعي. حيث تقوم الخلايا التائية والخلايا البائية بإطلاق سلسلة من التفاعلات المناعية المعقدة التي تؤدي إلى إفراز إنزيمات البروتياز والكولاجيناز من الخلايا الغضروفية والأرومات الليفية الزليلية مما يسبب تدميرا سريعا وشاملا لأنسجة المفصل.
كما يبرز في التشريح مصطلح الارتكاز وهو النقطة التي ترتبط فيها الأوتار أو الأربطة بالعظام. هذا الجزء التشريحي يكون مستهدفا بشكل خاص في مجموعة معينة من التهابات المفاصل تُعرف بالتهابات المفاصل سلبية المصل.
الأسباب
تتنوع الآليات والأسباب الكامنة وراء مجموعة الأمراض غير المتجانسة التي تندرج تحت مسمى التهاب المفاصل وتتراوح هذه الأسباب من التآكل الميكانيكي إلى الصدمات والإصابات أو العدوى وصولا إلى اضطرابات المناعة الذاتية المعقدة.
أسباب التهاب المفاصل التنكسي
يحدث الفصال العظمي أو الخشونة نتيجة الإجهاد المفرط على المفصل والذي يخل بالتوازن البيولوجي للغضاريف. تشمل العوامل التي تزيد من هذا الإجهاد الإصابات الرياضية السابقة والكسور التي تؤثر على سطح المفصل والسمنة المفرطة التي تضع حملا ميكانيكيا هائلا على المفاصل الحاملة للوزن مثل الركبتين والوركين. كما تلعب العوامل الميكانيكية مثل تشوهات العظام دورا في تركيز الضغط على أجزاء معينة من الغضروف مما يسرع من تلفه عبر تنشيط إنزيمات بروتياز المصفوفة المعدنية.
أسباب التهاب المفاصل الالتهابي
تضم هذه الفئة أمراضا مثل النقرس والذئبة الحمراء والتهاب المفاصل الصدفي والتهاب المفاصل الروماتويدي. بالنسبة للروماتويد فهو يُعد من أكثر أسباب الالتهاب المزمن شيوعا. يوجد مكون وراثي وجيني واضح في مرض الروماتويد إلا أنه لا ينتقل بنمط الوراثة البسيط الذي نراه في الجينات أحادية الطفرة. تدعم معظم الدراسات الطبية المتقدمة مفهوم أن التسلسل الجيني الفعلي المسبب للمرض يقع ضمن الأحماض الأمينية من سبعة وستين إلى أربعة وسبعين في جين محدد يُعرف باسم مستضد الكريات البيضاء البشرية دي آر بي واحد. وللاطلاع على كافة البروتوكولات العلاجية المعتمدة، يمكنكم زيارة الدليل المعتمد في عيادات هطيف للعظام.
أسباب التهاب المفاصل السلبي المصل
تشمل هذه المجموعة متلازمة رايتر والتهاب المفاصل الصدفي والتهاب الفقار اللاصق. ترتبط هذه الأمراض بشكل وثيق بوجود جينات معينة من فصيلة مستضدات الكريات البيضاء البشرية وتحديدا جين بي سبعة وعشرين. هذا الارتباط الجيني يجعل الجهاز المناعي يهاجم مناطق ارتكاز الأوتار في العظام بدلا من مهاجمة الغشاء الزليلي بشكل أساسي.
الأعراض
تختلف الأعراض السريرية التي يواجهها المريض باختلاف نوع التهاب المفاصل الكامن وراء المشكلة وتساعد هذه الأعراض الطبيب في توجيه مسار التشخيص بشكل دقيق.
أعراض التهاب المفاصل التنكسي
يتميز هذا النوع بألم يزداد مع الحركة والمجهود البدني ويتحسن عادة مع الراحة. قد يشعر المريض بتيبس في المفصل عند الاستيقاظ من النوم ولكنه عادة لا يستمر لفترة طويلة ويزول بعد دقائق من بدء الحركة. مع تقدم الحالة قد يلاحظ المريض تورما عظميا حول المفصل وتحديدا في نطاق الحركة.
أعراض التهاب المفاصل الروماتويدي
يظهر الروماتويد في الجهاز الهيكلي العضلي على شكل التهاب مفاصل متعدد متماثل ومستمر يصيب عادة اليدين والقدمين أو أي مفصل مبطن بالغشاء الزليلي. يتميز المرض بظهور التهاب الغشاء الزليلي والعقيدات الروماتويدية والتهاب الأوعية الدموية. يعاني ما يقرب من تسعين بالمائة من المرضى البالغين المصابين بالروماتويد من التهاب مفاصل مصحوب بأعراض في القدمين بدرجات متفاوتة من الشدة. والجدير بالذكر أن حوالي سبعة عشر بالمائة من المرضى تبدأ أعراضهم الأولية في مفاصل القدمين. حتى الحالات الخفيفة إلى المتوسطة من الروماتويد تترك تأثيرا سلبيا كبيرا على قدرة الفرد على الحركة والقيام بوظائفه اليومية. يرتبط الألم العرضي أو النوبي غالبا بعملية التهابية نشطة.
أعراض التهاب المفاصل السلبي المصل
على عكس الروماتويد الذي يغلب انتشاره بين النساء تتميز معظم أنواع التهاب المفاصل السلبي المصل بانتشارها الأكبر بين الرجال باستثناء التهاب المفاصل الصدفي الذي تتساوى فيه نسبة الإصابة بين الذكور والإناث. تتركز الأعراض هنا في مناطق التصاق الأوتار بالعظام مثل ألم كعب القدم أو آلام أسفل الظهر التيبسية التي تتحسن مع الحركة وتسوأ مع الراحة.
| وجه المقارنة | التهاب المفاصل التنكسي | التهاب المفاصل الالتهابي الروماتويدي |
|---|---|---|
| طبيعة الألم | يزداد مع المجهود ويقل بالراحة | ألم مستمر ونوبي يزداد مع الراحة |
| التيبس الصباحي | قصير الأمد يزول بسرعة | يستمر لفترات طويلة قد تتجاوز الساعة |
| التماثل | غالبا غير متماثل | متماثل يصيب الجانبين معا |
| الفئة العمرية | غالبا كبار السن | قد يصيب الشباب ومتوسطي العمر |
التشخيص
يعد التشخيص الدقيق والمبكر حجر الزاوية في إدارة أمراض المفاصل. يجب التأكيد على أنه لا توجد نتيجة اختبار واحدة تعتبر مؤكدة بشكل مطلق للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي بل يتم إجراء التشخيص بناء على دمج السمات السريرية والمخبرية والتصويرية معا.
التقييم السريري ومعايير التشخيص
بالنسبة لالتهاب المفاصل الروماتويدي حددت الهيئات الطبية معايير صارمة للتشخيص حيث يجب توافر أربعة على الأقل من أصل سبعة معايير لتأكيد الإصابة بالمرض وتشمل هذه المعايير التيبس الصباحي والتهاب في ثلاث مناطق مفصلية أو أكثر والتهاب مفاصل اليدين المصحوب تورم والتهاب المفاصل المتماثل في جانبي الجسم ووجود العقيدات الروماتويدية تحت الجلد.
التحاليل المخبرية
تلعب الفحوصات المخبرية دورا هاما في استبعاد أو تأكيد العمليات الالتهابية. المعيار السادس لتشخيص الروماتويد هو إيجابية تحليل عامل الروماتويد في مصل الدم. ومع ذلك فإن بعض المرضى يعانون من التهابات مفاصل حقيقية ولكنه يظلون سلبيين لهذا العامل.